كتاب الوطن

الجنوب الليبي ومأزق الاحتلال (I) .. بقلم/ الطيب عبد الخفيظ

التاريخ : Jan 21, 2013



معذورون الليبيون فهم لا يعرفون حقيقة ما يجري في جزء من جنوب البلاد، معذورون لأنهم مشدودون لما يجري في الشمال وهو الأهم حيث المؤتمر الوطني العام وما يدور فيه ومن حوله وأيضًا الحكومة وأزمة استكمال تكوينها وأعضائها المعلنين والذين ليسوا فيها وليسوا بعيدين عنها، وما يُحاك حولها في دنيا الصراعات السرية بين معالم المؤسسات الرسمية والسلطة العليا الحقيقية في البلاد.

الليبيون لا يعرفون حقيقة أن جزءًا هامًا من جنوب البلاد وهو واد الآجال محتل أو في طريقه للاحتلال، والدليل على ذلك أن ردات الفعل والإجراءات المتخذة حتى الآن لا توحي بأن هنالك إدراكا لهذه الحقيقة المرة. وادي الآجال الذي ينتج يوميًا مئات الآلاف من البراميل من النفط ويعتبر المغذي الرئيسي لمصفاة الزاوية، وادي الآجال الذي يزخر بالخيرات وبه مخزون هائل من الثروات التي تبشر بمستقبل ليبيا الواعد.

لا ينبغي أن ينظر البعض إلى تعبير الاحتلال على أنه مبالغة بل هو تشخيص حقيقي للواقع المعاش اليوم، ونحاول أن نوضح في هذه المساهمة معالم الاحتلال القائم بوادي الآجال والذي بدأ يرسخ وجوده حتى يصبح أمرًا واقعًا لا فكاك منه. فما هو الاحتلال؟ هو وجود عنصر أجنبي لا ينتمي للوطن بأي صلة، ولديه إمكانيات القوة التي يفرض بها وجوده ويفرض ما يشاء على أبناء الوطن، وسنحاول تطبيق هذه المعايير على ما هو قائم على الأرض بوادي الآجال من خلال الوقائع الآتية:

أولاً: زحفت جموع بشرية من صحراء شمال مالي وكانت تعد بعشرات الآلاف واستقرت حول المشروع الزراعي بأوباري، وذلك في ثمانينات القرن الماضي، لا يربط هذه الجموع بالوطن أي صلة، والإدعاء الوحيد هو انتماؤها إلى الطوارق، وكأنه كُتب على هذه المنطقة أن تكون مرتعًا لطوارق الأرض. استوطنت هذه الجموع على مساحات واسعة من الهكتارات من الأراضي حول أوباري، وهم لا تربطهم ضوابط في العلاقات الجنسية وكذلك في الإنجاب، وهكذا أصبح الحي المبني من الطين يعج بالآلاف من الأطفال الجدد.

الطوارق الليبيون وعائلاتهم في وادي الآجال معروفون للجميع، وهم عائلات راسخة أقدامهم في المنطقة وكان منهم المحافظ والمتصرف وعضو المجلس التشريعي لولاية فزان وأعضاء في مجلسي الشيوخ والنواب، وقادة في الجيش والشرطة ومشائخ محلات ومديرو نواحٍ، وهؤلاء ليبيون ولاؤهم لليبيا وهم بالمنطقة من الاستقلال ويشاركون بكل إيجابية فيها لا فرق بينهم وبين بقية أهل المنطقة، وبالتالي فمن الممكن إجراء فرز بين الطوارق الليبيين وغيرهم من الدخلاء مهما كلف الأمر من إجراءات كي يعود الدخلاء من حيث أتوا.

ثانيًا: كتيبة طارق:
أُنشئت هذه الكتيبة الأمنية منذ الثمانينات من القرن الماضي، وخصصت لتدريب أعداد هائلة من شباب الطوارق الدخلاء، وكثر عددهم واستشرى نفوذهم، وأصبحوا يشعرون بأهمية وضعهم في هذا المجتمع الصغير، وتملكهم شعور جامح بأنهم ليسوا ليبيين فقط بل هم فوق الليبيين، وهكذا كانوا على استعداد لتنفيذ أي أوامر تصدر لهم بأي كيفية ومهما كانت الضحايا فهم سوبرمان الذي لا تقف أمام جموحه أي قوة.

ثالثًا: كتيبة المغاوير:
هذه الكتيبة هي الأحدث في هذا المسلسل الإجرامي الرامي إلى تكوين مؤسسات يكون الهدف منها قمع وقتل الشعب الليبي، فقد تشكلت هذه الكتيبة من أعداد كبيرة من المرتزقة من طوارق شمال مالي وشمال النيجر، ويرجع الفضل الأكبر في جلبهم إلى وجوه معروفة حصلت مقابل ذلك على الملايين من أموال أودعت بالمصارف الأوروبية، وغيرت جلودها فيما بعد. زودت هذه الكتيبة بأسلحة أكثر تطور من متوسطة وخفيفة وثقيلة وقدم لمنتسبيها مزايا مالية كبيرة وأصبحوا قوة متحركة حقيقية يتأهبون لأي مغامرة دامية يوجهون إليها.

رابعًا: جموع هجينة تجتاح وادي الآجال:
تجمعت فئات متباينة من البشر من كل حدب وصوب من طوارق وآخرين من الهجين في سرت ومناطق أخرى من ليبيا وقاتلوا مع القذافي قتالاً مستميتا في المعارك النهائية، ودافعوا عن سيدهم أياما طوالا ساهم في تأخير سقوط المدينة، ولكن الانهيار كان حتميًا وسقط المعبد على رؤوسهم جميعًا. يممت هذه الجموع شطر وادي الآجال، لم لا؟ وهم يعتبرونه وطنهم وأهلهم هناك ينتظرونهم، تجمعوا فيه وأخذوا يقيمون المباني الطينية في كل أرض فضاء حول أوباري وانتشروا بعشرات الآلاف حتى أصبح وجود المواطن الليبي نادرًا بهذه المنطقة.

الكتيبتان شاركتا بقوة في قمع ثورة الشعب الليبي خاصة ما يُسمى بكتيبة "المغاوير" التي تخصصت بالقتل والتدمير والسلب والنهب، في مصراتة اغتصبت النساء، وسرقت البيوت والمحلات، سفكت الدماء وشردت الحرائر، ولغت في دم الشعب الليبي وأخذت كل ما وقعت عليه في طريقها من ذهب ونقود وسيارات ومختلف الممتلكات، لم لا؟ وهي تتشكل من شراذم لا رابطة لهم بالأرض ولا بالبشر الذين يعيشون عليها، ويقولون إنهم يتفاخرون بما غنموه من مصراتة من ذهب وأموال وما فعلوه فيها من جرائم بشعة.

انهار النظام، وهرب آمرا الكتيبتين وسيطر هؤلاء القتلة على ما فيهما من قدرات عسكرية، قاموا بتغيير اسمي الكتيبتين إلى "تينيري" و"تنده" وهي أسماء طوارقية وأعلنوا، للأسف، انتماؤهم إلى الجيش الوطني الليبي، نعم يا للعجب للجيش الوطني الليبي!!؟

وهكذا بدأت معالم الاحتلال للمنطقة، وهذا ما سنتناوله فيما بعد.
 
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها ،ويحتفظ موقع "صحيفة الوطن الليبية" بحق حذف أي تعليق لأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الإسم
عنوان التعليق
نص التعليق