كتاب الوطن

قراءة تحليلية لما حصل في مطار طرابلس العالمي؟؟ بقلم/ د. موسى عبدالله قريفة

التاريخ : Jun 07, 2012



لا جدال بان ما حصل أمس في مطار طرابلس كارثة أمنية وسياسية وإجتماعية لليبيا رجعت بالثورة الليبية الى مربع ما قبل التحرير...وإن جسور الثقة الامنية والسياسية والاقتصادية بين العالم والدولة الليبية قد أنهارت فجأة في غياب الرؤية الامنية البعيدة وعجز شبه كامل للدولة لقراءة تحليلية واقعية لما يجري في ليبيا الان وسيجري في المستقبل...ما جرى  المطار بين وبما لا يدع مجالا للشك فشل رؤية ومنهجية المجلس الوطني والحكومة الانتقالية في إدارة عملية الانتقال الديمقراطي، وتشكيل البيئة الامنية والاجتماعية والسياسية التي تعزز الثقة  الثورية والوطنية بين الدولة والثوار والشعب الليبي.

أن تتحرك  كتيبة  ممدججة بالاسلحة الخفيفة والمتوسطة والتقيلة  وتقطع مسافة حوالي 80 كم وعلى الطريق العام وفي وضح النهار ، وأن يكون أفراد تلك الكتيبة من قبلية واحدة يمارسون ثقافة وقيم القبيلة الليبية ... والاغرب إن تتبع إداريا  رئاسة أركان الجيش الليبي وتحتل مطار طرابلس الدولى...بوابة ليبيا على العالم.. وفي ساعات الدروة وفي لمح البصر...وفي مشهد إستعراضي مخجل ثوريا وأخلاقيا وحضاريا للشعب الليبي وثوار 17 فبراير..ما حصل لا يوجد ما يبرر حصوله أصلا ....ولو كان أبوعجيلة الحبشي حاضرا ومعنا فلن يقبل أبدا بما حصل، وسيتصدي له بكل قوة ويستهجن هكذا عمل...الا اذا كان في الامر مستور لم يتم الكشف عنه حتى الان لمقتضيات أمنية.

ما حصل يجب أن لا يمر علينا بدون دراسة وتحليل وتقييم عميق لاستخلاص العبر والدروس التي تساعدنا على عدم السماح بتكرار تلك الاخطاء القاتلة في زمن وطني حرج وحساس، وتدفعنا من ناحية أخرى الى المشاركة جميعا بفاعلية في تسريع عملية بناء الدولة التي ترتكز على مبدأ المواطنة وليس المكون القبلي أو الجوي للمطالبة بالحقوق وإثبات الذات القبلية أو الجهوية بقوة السلاح.  للاسف المتتبع لطريقة تناولنا لما حصل أمس بالمطار يكتشف إننا نعمل بعقلية التفاعل مع الازمة وليس بمنهجية  إدارة الازمة...ننتطر الازمة لتهاجمنا...وليس لنا مجلس أو جكومة قادرة على رصد الازمة وإدارتها قبل أن تهاجمنا وفق رؤية وأهداف وطنية محددة.....وبالتالي تقودنا جميعا التيارات السياسية والثورية والاجتماعية والجهوية والكيدية السائدة والمسيطرة على البيئة السياسية  ...طريقة تفكيرنا اليوم في النظر لظاهرة إحتلال المطار كانت من زاوية واحدة فقط وضيقة جدا..... من الذي حسم الموقف وأعاد المطار الى سيطرة الثورة والدولة الليبية؟ لماذا ظهرت ثقافة وعمليات الاختطاف في المجتمع الليبي؟ ولماذا لم يقم المجلس والحكومة بمعالجة الاسباب التى ساعدت على تكون البيئة الامنية والسياسية التي تًرسخ هذه الثقافة والسلوك المشين والدخيل على قيم وأخلاق الليبيين؟ هكذا يجب أن تُدرس وتحلل الامور...ولكن للاسف منهجية إدارة العملية الانتقالية للمجلس الانتقالي قادتنا وتقودنا يوما بعد يوم الى تشكل بيئية أمنية وسياسية وإجتماعية تترسخ فيها ثقافة وسلوكيات الاختطافات والاغتيالات وأسأل الله أن أكون مخطئا في تحليلي لهذا الامر. ليس من مفيد القول التوسع في التحليل...وقد يكون الاجدي لنا أن نسرد بعض من العبر والدروس التي يمكن إستخلالصها مما حصل أمس ، وتفاعل المجلس والحكومة والثوار مع الحدث.

لن نتحامل أبدا اذا ما قلنا  ان المجلس الانتقالي والحكومة المؤقتة يتحملان المسؤولية الوطنية والاخلاقية في ما حصل... أهل ترهونة لهم الحق في الحصول على إجابة واضحة من الدولة عن عملية وملابسات عمليات الاختطاف..وقد سعوا في ذلك ولم يحصلوا عن أي توضيح أو إجابة ..ولكن ذلك لا يبرر ما قام البعض منهم... وبدون تحامل وتخوين يوجد فشل شبه كامل للمجلس والحكومة في إدارة المرحلة الانتقالية وبناء الجيش والشرطة والمؤسسات الامنية....وان ما تم تكوينه من لجان أمنية عليا ومحلية وكتائب وسرايا من الجيش والشرطة تم وفق منهجية دمج ظاهري لكتل إجتماعية وجهوية وكتائب وسرايا  مسلحة لا عقيدة أو إنتماء لها للدولة...الدليل ان الكتيبة التي سيطرت على المطار منظمة تحت مظلة رئاسة اركان الجيش الليبي. ..الا يعكس ذلك إنعداما للرؤية ومنهجية إدارة الازمة وبناء الدولة الجديدة؟. وبالتالي فإن ما حصل يجب أن لا يمر بدون أن يتم التحقيق فيه، وتحديد الجهات الادارية والامنية والعسكرية التابعة للدولة التي ساعد أداؤها الضعيف على حصول ما حصل سوى كان ذلك موجة من الهيجان القبلي أو مخخطا لانقلاب على سلطة الدولة الوليدة...وان يتم معاقبة الذين قصروا عقابا ديمقراطيا عادلا ليكن ذلك أول درس من دروس الوطنية والديمقراطية في ليبيا الجديدة.

طريقة تعامل المجلس والحكومة الانتقالية مع ما حصل بمطار طرابلس كان غريبا وباردا جدا..ربما يعكس ذلك مستوى الطموح والارادة الضعيفة والمتهالكة لديهما...تعاملوا مع الهجوم كأنه هجوم على مزرعة نخيل كما وصف ذلك السيد بشير السويحلي في صفحته الالكترونية...واليوم يتعاملون معه على إنه إنقلاب مخطط ..من نصدق كلام رئيس المجلس الوطني أم كلام وكيل ورزارة الداخلية! ...لم يتعاملوا معه بنفس اللغة والحزم الذي تم مع ثوار يفرن والقلعة وبعض ثوار الجبل الذين أحتجوا أمام مقر مجلس الوزراء و أستدرجتهم لغة الحوار الى الاشتباك المسلح...في ذلك المقام خرج علينا السيد عبدالرحيم الكيب رئيس الوزراء في خطاب يهدد ويتوعد المليشيات المارقة على حد وصفة عن القانون ..أين السيد رئيس الوزراء مما حصل بالمطار؟..لماذا لم يطل علينا كما أطل في ذلك المقام؟...أم إن المجلس والحكومة الانتقالية تديرا المرحلة الانتقالية الحرجة بتقافة إجتماعية جهوية وليس بمهوم ومبادئ ثقافة الدولة التي ترى الجميع بطول ووزن وبشرة ومستوى وطني واحد...ثقافة القبيلة والجهة والشلة لا ولن تبني وطن ولن تخرج ليبيا من أزمتها الامنية والاجتماعية والسياسية المعقدة.

ما حصل أمس كشف عدم مصداقية وجاهزية المجلس وكذلك الحكومة الانتقالية عندما أكدت مرارا وتكرارا جاهزيتها لتأمين وحماية مطار طرابلس وغيره من المنافذ، وشنت حملة إعلامية شرسة، وحفزت مؤسسات المجتمع المدني على التظاهر ضد  الثوار الذين أمنوا وشغلوا المطار بكفأة عالية بالتنسيق والتعاون مع العاملين بالمطار لمدة ثمانية أشهر، وبهكذا عمل .أستطاعوا تعزيز ثقة شركات الطيران العالمية في إعادة تشغيل خطوطها، وإعادة بناء جسور الثقة والتواصل الجوي مع العالم. لذا أمس سقطت معادلة إستبعاد الثوار الحقيقيين الشرفاء من المشاركة المباشرة والفاعلة في بناء وحماية  الدولة الناشئة. بعد أمس الليبيون يقبولون وبدون تردد تأمين أي مرفق إستراتيجي من قبل الثوار تحت شرعية الدولة اذا كان ذلك مؤقتا ويضمن الامن والاستقرار والتقدم نحو الامام في عملية بناء وحماية الدولة...أيهما أقل ضررا لليبيا من منظور أمني وسياسي وإقتصادي وإجتماعي بقاء ثوار الزنتان في المطار كما كانوا في السابق أم أقفال المطار وهدم جسر التواصل الجوي والسياسي والاقتصادي الذي بنوه أولئك الثوار على مدى ثمانية أشهر.

لعل من المؤشرات الايجابية التي برزت في أحداث المطار..ان صوت العقل والحكمة والحوار الاجتماعي بين مكونات وقبائل الشعب الليبي والثور يعتبر الضامن الاساسي التي روض الهيجان القبلي والجهوي المسلح...وفتح أفقا مضئا ومخرجا مشرفا للجميع من الورطة الامنية التي وقعت فيها كتيبة الاوفياء. فتحية لكل الرجال والشيوخ والشباب الثوار والساسة الذين كان منطق العقل والحوار مفتاحا الحل لتطويق  وحل المشكلة.

من المعيب جدا القول إن أحداث مطار طرابلس أكدت سيطرة كاملة وموجهة للاعلام الخارجي لما يجري في ليبيا...إذ لا يعقل ان يتابع الليبيون الاخبار والاحداث الوطنية العاجلة على قنوات عربية وأجنبية ..ويستمعون الى تحليلات وتوجهات مراسليها التي ربما لها توجهات وغايات سياسية...وتغيب وبشكل كامل القنوات الليبية ومراسليها..ما تفسير أن يصل مراسل قناة عربية معروفة غير ليبية الى قلب الحدث ولا تستطيع القنوات الليبي. كما ان تناول الاعلام الالكتروني للحدث أتصف بالملاسنة والمماحكة  والمفاخرة الاعلامية. إضافة الى غياب أي تصريح للناطق الاعلامي للمجلس أو الحكومة حول ما جرى ويجري في اللحظات الاولى للحدث... هكذا بيئة إعلامية شكلت وتُشكل حالة شعبية ونفسية من عدم الثقة الاعلامية في القنوات الوطنية.

ما حصل أمس في مطار طرابلس كشف أيضا على ان العشرة الاشهر الماضية التي مضت بعد تحرير طرابلس قد دمرت ثقافة ومفهوم العاصمة.. وان البيئة السياسية والعسكرية والامنية التي تشكلت بعد تحرير المدينة أوجدت شرخا نفسيا وحضريا كبيرا بين المكونات الاجتماعية المحتلفة التي تسكن وتعيش وتعمل في العاصمة...ان ثقافة الملاسنات والمماحكات والاشتباكات اللغوية والاجتماعية بين سكان العاصمة أصبحت لغة الحوار السائدة للاسف وذلك يتنافي والمفهوم الثقافي والحضاري للمدينة العاصمة.... أتفق الجميع على حماية وتأمين المطار ولكنهم أختلفزا وتلاسنوا وكانوا قاب قوسين أو أدنى من الاصتدام لانهم كانوا سرايا وتشكيلات جهوية وقبلية.  لسنا بصدد  تحليل الاسباب التي تقف وراء ذلك ...ولماذا حصل هذا التحول؟ ...ومن يقف خلفه؟ والى أين نسير بمدينة طرابلس ؟ ولكننا هنا ننبه الى ضرورة دارسة ظاهرة تلاشي مفهوم وثقافة العاصمة لمدينة طرابلس، وتنفيذ البرامج والخطط الامنية والاداية والبرامج  الاجتماعية والثقافية التي تجعل من طرابلس وسكانها عاصمة بكل معنى ومفهوم للكلمة وقدسيتها عند ثوار 17 فبراير.

ربما نجزم القول بان ما حصل أمس وبصراحة ومسؤولية وطنية عرى وأسقط سياسة المكابرة وتجاهل الدور الوطني والامني الفاعل والمتميز على الارض للثوار وتحديدا بعض ثوار المناطق من قبل المجلس الوطني والحكومة  ...ينعتوهم بالمليشيات عندما يريدون تحيدهم بعيدا لغايات وأهداف لا نعلمها ...ونحن نعلمها...ولكنهم يصلوا أي الثوار قبل المجلس والحكومة ولجانها الامنية العليا ورئاسة الاركان وجيشها وشرطتها..و ويحسمون الامور بعقل وتميز...بعدها يخرج الناطق الرسمي للحكومة أو المجلس ليقول لا تقلقوا أيها الليبيين لقد جسمنا الامور بفضل الجيس والشرطة!!!! هكذا مكابرة سقطت أمس بكل وضوح لولاهبت ثوار الزنتان وتاجوراء وسوق الجمعة ومصراتة وطرابلس لما حسم الامر...كتيبة الاوفياء لم تتحرك من ترهونة  لتنسحب بهذه السهولة لولا إحساسهم بالورطة التي طوقها بهم الثوار الشرفاء...كما كشفت أحداث المطار الثقة والمصداقية الوطنية العالية التي يتمتع بها ثوار ليبيا الحقيقيين الشرفاء على مستوى ليبيا برغم كل حملات التشويه التي تعرضوا لها.....أن خروجنا ثقافة المكابرة يقودنا الى ما دعى اليه الشيخ الصادق الغرياني على ضرورة تشكيل قوة وطنية لحماية وتأمين العاصمة من ثوار طرابلس ومصراتة والزنتان والشرق والجنوب...لقد أدرك وأحس الجميع بان الوضع الامني في طرابلس شهد تدهورا مخيفا ومرعبا خلال شهر مايو الماضي لعدة أسباب لا يتسع المجال هنا لسردها....مؤشرات الانفلات الامني خلال الشهر الماضي، وما حصل أمس بمطار طرابلس يسقط نظرية ان طرايلس يحميها ويومنها أهلها مع إحترامنا لكل سكان وأهالي طرابلس وضواحيها...طرابلس عاصمة ...وقدرة ومسؤولية حمايتها مسؤولية وطنية ...ليبيا دولة  في عاصمة  ..واذا ما نعمت طرابلس بالامن والاستقرار فإن كل الاطراف المرتبطة بهذا القلب تسكن ويعمها الامن والسلام....لذا لا اللجنة الامنية طرابلس ...و لا لواء طرابلس قادرين على حماية وتأمين طرابلس مع كامل التقدير والاحترام للجهود الكبيرة المبدولة من كل الجهات والمجالس...لكن الموضوع كبير والتحدي الامني رهيب وواسع ومتشعب، وله أبعاد سياسية وإحتماعية وثقافية وإجرامية..إن بقاء الوضع على هو عليه الان سيؤدي الى زيادة التدهور والانفلات الامني بالعاصمة لا قدر الله...وربما يؤدي أيضا على حصول مماحكات ومشادات وإشتباكات بين فصائل الثوار من داخل وخارج المدينة....لا خيار الا تشكيل قوة بثقافة العاصمة وبعيدا عن الانتماء الجهوي أو القبلي لحماية وتأمين العاصمة تضم بعض من أفراد وسرايا الثوار الحقيقيين الشرفاء.  لا بد من إعادة الثقة بين سكان العاصمة وترسيخ المفهوم الحقيقي لمعني طرابلس عاصمة أبدية لليبيا دولة واحدة موحدة.

برغم الصدمة و الاستياء  الكبير من قبل كل الليبيين لما حصل من قبل كتيبة الاوفياء التابعة للمجلس العسكري ترهونة.. تبقى عملية إختطاف إنسانا ليبيا مستنكرة ومستهجنة من كل أطياف ومكونات الشعب الليبي والثوار الشرفاء...ولترهونة وأهلها  وكل الليبيين الحق في السعي لمعرفة مصير المختطف، ومعاقبة الذين خططوا ونفذوا عملية إختطافه....ولكن لا يجوز لترهونة وغير ترهونة وبأي حال من الاحوا أو تحت أي ظرف من الظروف المساس بتوابث ثورة 17 فبراير والمبادئ الوطنية، وأمن وإستقرار ليبيا، وضمان عملية الانتقال الديمقراطي نحو دولة مدنية ديمقراطية...وفي أخر الحديث الذي ربما طال بعض الشئ ... لابد من توجية تحية وشكر لاهل وحكماء وشيوخ ليبيا وثوار وساسة ليبيا لما ظهر منهم من بعد نظر ورؤية وطنية حكيمة ...ترى ان أمن وإستقرار ليبيا خط أحمر ولا معنى لانتماء انسان  أو جماعة لقبيلة  أو مدينة تهدد وتزعزع أمن وإستقرار ومستقبل وطن  يمثل وعاء وطني وبيئة تعايش سلمي لكل قبائل ومكونات ليبيا الاجتماعية.


 
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها ،ويحتفظ موقع "صحيفة الوطن الليبية" بحق حذف أي تعليق لأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الإسم
عنوان التعليق
نص التعليق