كتاب الوطن

الفيدرالية خيانة لدم الشهداء !! بقلم/ علي المجبري

التاريخ : Mar 04, 2012


هذه الأيام ، يكثر الحديث عن ( الفيدرالية ) في إطار المطالبة بـ ( اللامركزية الإدارية ) ؛ ومن هنا يبدو أنّ الكثير لا يدرك الفارق بين مطلبه الإداري وطموح الآخرين السياسي ؛ فالفيدرالية ( نظام سياسيّ ) ، واللامركزية الإدارية ( نظام إداريّ ) ، والمزاوجة بينهما لا محل لها من الإعراب .

فالمواطن المطالب بالدولة الفيدرالية يتطلع إلى استقلالية إدارية لمدينته معتقدا أن الفيدرالية هي الوعاء السياسي للامركزية الإدارية ! . والطامح السياسي للدولة الفيدرالية يحاول أن يقنع الناس أن الفيدرالية ما هي إلا ( اللامركزية الإدارية ) منظوقةً باللغة العربية ! .

إنها مغالطة مزدوجة تنتج عن امتزاج جهل الشارع بالإنظمة السياسية ، والطموح السياسي غير النزيه لساسةٍ يستغلون هذا الجهل ليحققوا رغباتهم الشخصية في تأسيس دولتهم الفيدرالية .

الدولة الفيدرالية لا تعني أبدا أننا سننعم باللامركزية الإدارية .. كما أن الدولة الموحّدة البسيطة لا تقود إلى نظام إداري مركزي تقبض فيه العاصمة على عنق البلاد كما كان يحدث أيامَ القذافي ! .. فالخلل لم يكن في الدولة الموحدة وإنما في القذافي نفسه .. ومن يستطيع أن يتخيّل أن القذافي كان سيمنح شعبه أي قدر من الاستقلالية حتى لو كانت دولته فيدرالية أو أي نظام اتحادي آخر !؟ .

فالنظام الإداري شيء والنظام السياسي شيءٌ آخر ! .. ؛*

.. فأنت تستطيع أن تنعم باللامركزية الإدارية ( الإستقلالية الإدارية ) بشكل كامل في الدولة البسيطة الموحدة .. مثلما يمكن أن تعاني جميعَ مساوئ المركزية في دولة فيدرالية ! ؛ .. فمثلا تستطيع في الدولة الموحدة ( كما في فرنسا مثلا ) أن تتمتع جميع المدن باستقلالية إدارية لا يقيدها شيء ! ، حتى إنّ دور الحكومة المركزية يقتصر على مراقبة تصرفات المناطق للتأكد من مطابقتها للدستور والقانون .

وبالمقابل ، لا نستطيع القول بأن اللامركزية الإدارية ستجد مناخها الإفتراضي في الدولة الاتحادية ! .. ؛ فالنظام الفيدرالي لا يعني أن المدن والمناطق ستنعم ( أوتوماتيكيا ) بالاستقلالية الإدارية ؛ فـ ( اللا مركزية الإدارية ) وضع إداري لا علاقة له بالشكل السياسي للدولة .

وفي كل الأحوال ، يجب أن يُنصّ على ( الاستقلالية الإدارية ) للمدن والمناطق في دستور البلاد ، وتفصّله قوانينُ ولوائحُ وقراراتٌ ، سواء كان شكل النظام السياسي للدولة فيدراليا أو بسيطا موحّدا .

وللتوضيح نفترض أن شكل النظام السياسي في ليبيا أصبح اتحاديا ( فيدرالياً ) ، وأصبح لدينا ما يحبّ البعضُ أن يطلق عليه ( ولاية برقة ) أو ( ولاية طرابلس ) فهذه الـ ( برقة ) مثلا تتشكل من عشرات المدن والمناطق وتحتاج حكومةَ لتسيير الولاية ، .. وإذا افترضنا مثلا أنّ مقر حكومة ولاية برقة يقع في مدينة ( بنغازي ) ، فلا بد من أن يتوجه مواطنو طبرق أو إجدابيا أو الوادي الأحمر إلى بنغازي لإتمام معاملاتهم . وهنا نكون قد دخلنا في مركزية أخرى بغير لون مركزية نظام القذافي ولكن بنفس طعمها ورائحتها !! .. والحال نفسه سيتكرر مع أهالي الزنتان والزاوية ومصراتة ولكن باتجاه مدينة ( طرابلس ) ! .

فإذا قال قائل نمنح كل مدينة أو منطقة ( استقلاليةً إدارية ) تحُول دون توجّه قاطنيها إلى عواصم الأقاليم الثلاثة ، فنرد : ليكن ذلك في ظل الدولة الواحدة الموحدة ! .. ؛ بمعنى أن نستمر في شكلنا السياسي الموحّد مع تبني نظام ( اللامركزية الإدارية ) لتنعم به كل المدن والمناطق بالشكل الذي يحقق استقلاليتها ويرِيح مواطنيها .

كل هذا مع تلافي مساوئ الدولة الفيدرالية ؛ .. فلا نعمل على تفتيت الوحدة الوطنية ،  ولا نهدر مال الشعب الذي يسببه تعدد الهيئات وازدواج السلطات ( وطبعا سيتحمل المواطنون هذه النفقات عن طريق فرض المزيد من الضرائب ) ! .

.. كما أن تعدد السلطات واختلاف التشريعات يؤدي إلى ازدواجية في القوانين ومنازعات في توزيع الاختصاصات بين الدولة الفيدرالية والأجزاء التابعة لها .

وغالبا ما يؤدي الازدواج التنفيذي والتشريعي إلى نشوء مشاكل بين الأجزاء المشكّلة للاتحاد أو بين هذه الأجزاء وبين الدولة الاتحادية . مع بقاء خطر تفتّت الدولة الفيدرالية إلى دويلات كلما قويت سلطات الأجزاء على حساب سلطة الحكومة الاتحادية ! .

فلأي سبب إذن نؤسس دولة اتحادية ( فيدرالية ) ؟ .. وكيف نوحّد الموحّد ونضمّ المضموم !؟ ،.. ؛

.. إنَّ ليبيا ، ليست مكونة من كيانات مستقلة اختارت أن ( تتحد ) فيما بينها لتشكّل دولة واحدة كالولايات المتحدة الإمريكية أو الاتحاد السويسري أو الإمارات العربية أو الصومال ! .. كما أنها ليست مكونة من شعوب تنتمي إلى أعراق أو لغات أو أديان أو عادات وثقافات مختلفة ، فـ ( تتفكك ) لتتوحّد في دولة فيدرالية ! ، كالحالة المكسيكية أو الأرجنتينية أو البرازيلية .

وفي غالب الأحوال ، يعتبر الخيار الفيدرالي خيارًا اضطراريا ، تماما ( كالكيّ ) الذي هو آخر الدواء !! .

إن المطالبة بنظام إداري غير مركزي هي مجرد مطالبة ( إدارية ) لا تمتّ إلى الفيدرالية بصلة .

فلماذا ، إذن ، ننادي بالدولة الفيدرالية ! .

كيف ينفصل أهلُ بنغازي عن أهالي الزنتان والزاوية ومصراتة وزوارة ، الذين ضحوا بأرواحهم وهم يهتفون : " بالروح بالدم نفديك يا بنغازي " !! ،، أو عن أهل طرابلس الذين قدموا ستمائة شهيد في يوم واحد بعد أن خرجوا منتصرين لإخوانهم في بنغازي استجابةً لصرخة شباب سوق الجمعة الشهيرة : " وين تريس سوق الجمعة .. بنغازي تبكي بالدمعة " ! .

وماذا سنقول لأرواح الذين سقطوا في كل أرجاء ليبيا وهم يهتفون ردا على تهديدات القذافي بتقسيم البلاد : " ليبيا وحدة وطنية .. لا شرقية ولا غربية " ! .. ؛ فهل سنحقق نحن ما تمنّاه القذافي !؟ .

هل نخُون أمانة أودعها عندنا خمسون ألف شهيد !؟ .. وهل هذا ما يكافئ به أهلُ برقة ناصريهم في غرب البلاد وجنوبها !؟ ..

إنَّ ( الطمعَ ) و( الكُره ) صفتان ليستا فينا ، ولا من طبعنا ... ولن يكونا أبداً سِمةً لنا نحن أهلَ برقة ! .

*  *

 

                                                           علي المجبري

istisharat.libya@yahoo.com                                     
 
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها ،ويحتفظ موقع "صحيفة الوطن الليبية" بحق حذف أي تعليق لأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الإسم
عنوان التعليق
نص التعليق