عين على الصحافة

العنف مقبرة الثورات !!

التاريخ : Feb 04, 2012

                                  العنف مقبرة الثورات !!

حول حقوق الإنسان

في معتــقلات الثوار:                                                          ابن الوطن

     عندما قرأت تقارير وبحوث حقوق الإنسان في ليبيا سواء الصادرة عن فعاليات حقوقية محلية أو الواردة من منظمات حقوقية دولية .. أصبت بصدمة وبخيبة أمل كبيرة ! لم أكن أتوقع باى حال بعد ثورة 17 فبراير التي جاءت لترفع الظلم عن الإنسان أن تسمح بظلم جديد ! .. لم أتوقع بعد هذه الثورة أن تفتح معتقلات لليبيين يُعذبّوا فيها  وينُكل بهم من قبل مايُسمّون أنفسهم بالثوار !! إن الثائر الحقيقي لايمكن أن يقبل بان تنتهك كرامة الإنسان على مرآي ومسمع منه  ! فما بالك أن يُمارس هو انتهاك كرامة الإنسان الذي يفترض أن الثورة قامت من اجل كرامته وآدميته ! وحتى وان كان هؤلاء المعتقلين محسوبون على النظام المنهار أو من رموزه أو مسئوليه أو أسراه ، فانه لايجوز باى حال من الأحوال تعذيبهم والتنكيل بهم وانتهاك كرامتهم الإنسانية ! فهؤلاء قبل أن يكونوا ليبيين هم بشر آدميون إذا كان الليبيون لاكرامة لهم في وطنهم كمواطنين .. يجب أن يُعاملوا كبشر آدميين لايحق لنا مهما كانت حُججنا وذرائعنا وفقا للأعراف  والمواثيق الدولية أن نُعذبهم وُننكل بهم وننتهك آدميتهم ! !!.

     إن الاعتقال يجب ألا يكون وفقا لأمزجة الثوار ورغباتهم أو بسبب وشاية البعض إذ يفترض أن يكون الاعتقال لرموز النظام الكبار ولمن تلطخت أيديهم بدماء الليبيين أو تورطوا في الفساد ونهب المال العام ويتأكد هذا بحكم قضائي نهائي وهو ما أكد عليه مفتي الديار الليبية .. وان يُوضعوا في سجون لائقة تتوفر فيها احتياجاتهم الإنسانية ! لاتمنع عنهم الزيارات وان يُمكنوا من حق الدفاع عن النفس من خلال محاكمة عادلة وعاجلة بحيث لا تطول مدة اعتقالهم ،، دون تعذيب أو تنكيل أو انتهاك لكرامتهم الإنسانية أو قتلهم خارج إطار القانون ، لا أحد يملك في المجتمع الليبي أن يُسقط عن هؤلاء المعتقلين حق المواطنة حتى وان كانوا من أتباع النظام السابق ومسئوليه ! أوأن ينتهك كرامتهم وحقوقهم الإنسانية !.

       مايحدث في معتقلات الثوار التي لاتخضع لسلطة الدولة الليبية الجديدة التي ترفع شعارات الحرية والقانون والديمقراطية وكرامة الإنسان هو اكبر إساءة للشعب الليبي ولدولته الجديدة ولمنظماته الحقوقية ومكوناته المدنية ولثورة 17 فبراير التي لوثها أشباه الثوار والانتهازيين واللصوص ومنتهكو حقوق الإنسان وأصحاب السوابق والفارون من السجون الذين ركبوا موجة الثورة وسخروها لتحقيق مكاسب مادية ولتصفية حسابات شخصية ! .

  وفي ظل هذه الممارسات والانتهاكات وبهذا الحجم المفجع لانستبعد أن يقوم أشخاص من أصحاب الأموال لهم خلافاتهم وخصوماتهم مع رموز النظام السابق ومسئوليه من المعتقلين فوجدوا الفرصة سانحة للانتقام منهم عن طريق ضعاف النفوس من أشباه الثوار ولا استبعد أيضا قيام أشباه الثوار بمساومة المعتقلين وابتزازهم بشتى الطرق والوسائل ! لعلكم سمعتم الدكتور " الصادق الغرياني" في حديثه في مؤتمر المجالس المحلية حين قال :إن الثوار طلبوا منه مقابلا ماديا مقابل إخلائهم للمقر المخصص لهيئة الفتوى !  إن الذين ينتهكون حقوق الإنسان " تعذيبا وتنكيلا وحتى قتلا " لانستغرب منهم القيام بأية أفعال تخالف الدين والقانون والأخلاق !! هناك اموركثيرة  ربما غابت عنا .. لنأخذ مثلا المعتقلين في سجون الثوار ، الذين تجاوز عددهم  الثمانية آلاف معتقل عُذبوا ونكل بهم بحسب تقارير حقوق الإنسان .. هؤلاء لهم أبناء وبنات وزوجات وأمهات وآباء وإخوة وأخوات وعمات وخالات وأخوال وأصهار والمتعاطفين معهم - وأنا أحدهم - ! فضلا عن انتماءاتهم العشائرية .. ياترى كم يبلغ عدد هؤلاء على اقل تقدير ممن تربطهم صلات بهؤلاء المعتقلين في سجون الثوار : مئات الآلاف ؟! ربما  .. يضاف إلى هؤلاء شرائح أخرى كثيرة من المجتمع الذين تم إقصاؤهم وتخوينهم بل وتجريمهم من الذين عملوا مع النظام المنهار وحُسبوا عليه الذين استهدفهم قرار النزاهة والوطنية الذي أعده احد الاقصائيين التكفيريين : ( لامين بالحاج ) ! كم ياترى سيكون عدد هؤلاء مضافا إليهم أسرهم ومعارفهم وذوى قرابتهم ؟! .. ثم تخوين الذين خارج الوطن وإصدار الأحكام ضدهم دون سماع دفاعهم ودون إدانة قضائية صريحة والتهديد بالقصاص منهم دون التفريق بين الذين أجرموا في حق الشعب الليبي وبين أولئك الذين لم يرتكبوا جرما يُحاسبوا عليه وهذا هو الظلم بعينه ! ..فضلا عن تجريم من هم في الداخل من الليبيين ووصفهم بأزلام النظام وبالطابور الخامس ونعتهم بنعوت مخزية من المحسوبون على النظام السابق  في الوقت الذي لم يثبت فيه تورطهم في أعمال معادية للشعب الليبي ولثورة 17 فبراير ! ياترى كم يبلغ عدد هؤلاء قياسا على من سبق الإشارة إليهم ؟!  المشكلة الأخرى ؛ أن اى إخفاق أو فشل يرتكبه الثوار أو يتسببون فيه أو اى جريمة تحدث في المجتمع ُتنسب لأزلام النظام وللطابور الخامس وهي أفضل وسيلة يرونها الثوار وأشباههم مناسبة للهروب من مسئولياتهم وإلقاء تبعات فشلهم وإخفاقاتهم وأخطائهم على الآخرين ! .. لذلك فاني لست متفائلا بنجاح المصالحة الوطنية وقيام الدولة المدنية وفق هذه المعطيات والمتناقضات ، يضاف إلى ذلك حالات التوتر والاحتقان في سرت وبني وليد وتاورغاء وغيرها من المناطق التي فشلنا في استرضائها و جذبها إلى ركب الثورة ! وهذا يعني انه ووفقا لما يحدث على الساحة الليبية أن الصراع سيستمر والانفلات سيتواصل  وربما يستغرق وقتا طويلا وسيشغلنا عن إعادة الاعمار ويزيد من معاناة الليبيين مالم نتدارك الوضع ونحكم العقل ونختصر الزمن ونعمل لصالح الوطن.

   كثيرا ماكنا نسمع عن الديمقراطية وعن الدولة الجديدة وعن القانون وعن الدستور ولكن لا شيء مما نسمعه تحقق ولو القليل منه على ارض الواقع وكأن هذه الشعارات للتسويق الخارجي ولتحسين صورة الثورة الليبية أمام العالم .. ولكن الذي يجب أن يفهمه هؤلاء الذين هم اقرب للجلادين منهم للثوار لما ارتكبوه من انتهاكات لحقوق الإنسان في معتقلاتهم وسجونهم ! أن العالم ليس مغفلا ولايمكن استغفاله ورائحة معسكرات الاعتقال والسجون فاحت نتانتها وتجاوزت حدود الوطن ! .. ماكنا نتوقع أن يكون للثوار معتقلاتهم الخاصة يعتقلون فيها من يشاءون يُنكلون ويُعذبون ويقتلون ويمارسون فيها أبشع الجرائم  في حق الإنسانية ويُصرّون على احتفاظهم بإدارة هذه المعتقلات ومُعتقليها !! لو أن هذه المعتقلات كانت تحت إشراف الدولة  الليبية وسلطتها القضائية لكان ذلك خير للمعتقلين و لسمعة الثوار ولمكانة الدولة الليبية  ! .. وإذا لم تتوقف هذه الانتهاكات سواء بفعل الثوار أو المجلس الانتقالي أو الحكومة الانتقالية  فان الواجب الإنساني يحتم على المنظمات الإنسانية والحقوقية الوطنية وغير الوطنية  الالتجاء لمنظمة الأمم المتحدة وللاتحاد الأوروبي  وللمنظمات الحقوقية والإنسانية الدولية للوقف الفوري لا نتهاكات حقوق الإنسان في معسكرات الثوار بالطريقة التي تراها منظمة الأمم والاتحاد الأوروبي  وهذا هو عين العقل !! إن الثوار يخطئون إذا مافكروا ولو للحظة أن المجتمع الدولي الذي ناصرهم لإسقاط نظام الطاغية " القذافي" أن يغضّ البصر عن جرائمهم وانتهاكاتهم لحقوق الإنسان في معسكرات الاعتقال !!.

     حتى مصراته .. ذات الرمال وصانعة الرجال ومهد البطولات .. يوجد فيها معتقل وربما أكثر يُمارس فيها التعذيب النفسي والجسدي في أبشع صُورهما وكنت أتوقع من أهلي في مصراتة ألا يسمحوا بإقامة معتقلات في مدينتهم وعلى ترابهم الذي ارتوى بدماء شهدائهم الذين استشهدوا من اجل الحرية وكرامة الإنسان ُتنتهك فيها كرامة الإنسان !! أين انتم ياثوار مصراته الأشاوس ؟! أين أنت ( ياجحا وأين رفاقك الأحرار ) ؟ أين انتم أيها الشرفاء في الزنتان وفي الزاوية وفي طرابلس وفي بنغازي معقل الثورة والثوار !! كيف تقبلون بالله عليكم أن ُيقام على ُترابكم وبين ظهرانيكم مُعتقلات تُنتهك فيها كرامة الإنسان وتهان فيها آدميته ؟! كيف تسمحون أن ُتلطخ ثورتكم بالظلم ؟! وُيلوثها أشباه الثوار ؟!.

     في زمن الطاغية كنا نستهجن السجن الطويل دون محاكمة ودون توجيه اتهام ، وكنا نطالب ألا تطول مدة الاعتقال وان يُمكّن المعتقل من حق الدفاع عن نفسه وان تتوفر للمعتقلين محاكمة عادلة وكنا ُنهيب بالمنظمات الحقوقية الدولية أن تعيننا بان تمد لنا يد العون لنرفع المعاناة عن المعتقلين في سجون نظام " القذافي" .. وها نحن نستنسخ فكره و نسلك نفس المسلك ! وننهج نفس النهج ! وكأننا أصبنا بلعنة نظام الطاغية التي ستودى بنا لامحالة إلى الهلاك وُتدخلنا في نفق مُظلم لاضوء فيه !! وبعد أن تخلصنا من طاغ واحد وتفاءلا خيراً ، وجدنا أنفسنا إمام مئات إن لم يكونوا آلاف من الطغاة ! يلتحفون رداء ثورة 17 فبراير وركبوا موجة الثورة من ثوار  " مابعد التحرير" !  ففتحوا المعتقلات وانتهكوا ونكلوا وقتلوا ! والأدهى والأمر أنهم يقتلون وُيكبرّون ! وكأن القتل مستحب عند الله عز وجل ! .. إن مايحدث في هذه المعتقلات من جور وعسف وطغيان ، ثم صراع المسلحين مع بعضهم البعض في شوارع طرابلس وفي مناطق أخرى من الوطن وتخوين بعضهم البعض وانتهاك حرمة المقار العامة والاستيلاء على الممتلكات العامة والخاصة دون حياء ! اكبر دليل على عدم ثوريتهم ، ومن يقول غير ذلك فهو كاذب ومنافق وجبان !!

     الذي نعرفه أن عدد الثوار الفعليين الذي قاتلوا كتائب الطاغية على مختلف الجبهات لم يتجاوزا باى حال المائة ألف ثائر عندما كان الصراع على أشدّه ! ولكن بعد التحرير وعندما أصبحت هناك بعض المزايا من معاشات وخلافه تفضل بها الشعب على الثوار تجاوز عدد الثوار الآن الأربعمائة ألف !! وأصبحوا يمنوّن على المجتمع يُهددّون ويتوعدون ويطالبون بمزايا ُتميّزهم عن المواطن الليبي الذي لولاه لما قامت الثورة ! وهذا دليل آخر يُفقد هؤلاء مصداقيتهم التي يدعونها  ! .

     أين مكونات المجتمع المدني في بلدنا ؟ أين الأحزاب السياسية المنتظرة ؟ أين الشرفاء في هذا الوطن ؟ أين المجلس الوطني الانتقالي المؤقت وأين الحكومة المؤقتة وأين حضرة المستشار رجل القانون والحقوق ؟! أين المصالحة الوطنية التي رفعتم شعاراتها وصدعتم رؤوسنا بها  ؟ أين الثوار الحقيقيين واعني بهم ثوار الجبهات وثوار الخارج الذين لازموا الثورة وآزروها وكان دورهم بارزا في إنجاحها ! ولكننا تنكرنا لهم ؟؟ أين كل هؤلاء ؟! لم نسمع لهم صوتا تجاه مايحدث في معتقلات التعذيب والتنكيل ؟! أين الناشطين الحقوقيين و السياسيين و الإعلاميين الذين لم نراهم قبل 17 فبراير ولم نسمع لهم صوتا ،، وهاهم الآن يتوافدون على الفضائيات يرتدون البدل اللامعة مُتهندمين مُتأنقين وكأنهم عُرسان ! مُتحذلقين مُتمسحين بالثورة !! مُنتحلين صفات لاعلاقة لهم بها ! ونستمع مداخلاتهم المتوالية عبر القنوات المسموعة فهم لايفوّتون فرصة إلا واغتنموها ! ولكننا لم نسمع اى منهم تحدث عن معاناة المعتقلين ومالاقوه ويلاقوه حتى الساعة من تعذيب وتنكيل وظلم صارخ في معسكرات الاعتقال التي انتشرت في طول البلاد وعرضها ! لم نسمع إلا أصواتا قليلة من منظمات حقوقية في الداخل أو أخرى من خارج الوطن تأتي في مقدمتها صرخة منظمة أطباء بلا حدود التي أدانت مايحدث في مراكز الاحتجاز في مصراته من تعذيب للمعتقلين فأوقفت عملها ! أين نقابة المحامين الليبيين ؟! أين كتاب الوطن ؟ أين : ( الشاطر واقويدر وابسيكرى والرقعي والحاجي والصلابي والامين ودوغه والقماطي والمفتي والشلوى وفنوش والكوافي والاثرم والمصراتي وابن عمار وعتيقة ..) وغيرهم كثيرون لم نقرأ لأى من هؤلاء عن معتقلات الثوار وتعذيبهم لمواطنين ليبيين ذنبهم أنهم عملوا مع النظام المنهار وحُسبوا عليه ! ولكن حتى وان حُسبوا على ذلك النظام المنهار  لايعني ذلك أن نُجردهم من آدميتهم وننتهك إنسانيتهم ! وحتى وان أجرموا يجب ألا ننهج نهجهم ونسلك مسلكهم ! ونجعل القانون هو الفيصل بيننا وبينهم وإلاّ لافرق بيننا وبينهم ،، لم نسمع صوتا لهؤلاء يقول لا !! لانتهاكات حقوق الإنسان ولا للقتل خارج إطار القانون !!.

     إن العنف مقبرة الثورات ! ومقتل الثائر في عنفه ! ومن استخدم العنف مات به ! وخير دليل المقتول : " القذافي"  الذى قتله عُنفه ودمويته ! .. إن الثورة إذا فقدت إنسانيتها  وقيمها الأخلاقية  تصبح لاقيمة ولامعنى لها !! .. وللحديث بقية ..

تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها ،ويحتفظ موقع "صحيفة الوطن الليبية" بحق حذف أي تعليق لأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الإسم
عنوان التعليق
نص التعليق