كتاب الوطن

التوارق والدور التاريخي الكبير.. بقلم: محمد عمر الزنتاني

التاريخ : Jan 17, 2012

التوارق والدور التاريخي الكبير

بقلم: محمد عمر الزنتاني

16.01.2012

ضل بعض من الليبيين لا يعرفون عن التوارق الا النذر البسيط حتى فترات متأخرة نتيجة لضيق افق اعلام الانظمة السياسية المتخلفة, الا ان الانفجار الاعلامي الكبير في القنوات الفضائية جعل الكثيرمن تلك القنوات - التي لايعرف معدوها تفاصيل كثيرة عن الصحراء الكبرى ومجاهلها - يقومون بتقديم تقارير انطباعية عن مجتمع التوارق تقدمه على انه مجتمع معزول متقوقع, وهذا في حد ذاته خطاء كبير فادح وضلم في حق اناس اكرام اشراف عضام هم التوارق كقبائل من مجمل القبائل الليبية العريقة, وايضا ضلم في حق التاريخ الوطني, حيث ان  قبائل التوارق تاريخيا  تحملوا وزرا كبير في الدفاع عن ليبيا, وقدموا لها على مر العصور ما لا يعد ولا يحصى.

ان التوارق قبائل كبيرة ومنتشرة وموزعة, منهم من تواصل مع المدن مثل بقية المناطق ومنهم من بقى على طبيعة منطقته, غير ان التارقي لم يتخلى عن جمله ( المهري ) ولباسه, ولم تلتحف نسائه اللباس المستورد كما فعل اغلب سكان المدن الساحلية, بل بقى التوارق يلتحفون البستهم التقليدية الجميلة التي تشكل قمة في الاناقة والذوق.

ان التوارق مكونات قبلية مثل بقية القبائل يسكنون الصحراء في غدامس اوباري وبالقرب منها ويمتدون بالتواصل مع بقية القبائل التوارقية في الصحراء الكبرى, في الجزائر في كل تماشق وفي كل ازقر, وكل انصر, وأضاغ شمال مالي عموما, وايضا شمال النيجر, حيث ان الحدود الموجودة اليوم لم تكن حدودا اجتماعية قبلية بقدر ما هي تخطيط على اوراق الخرائط قسمت فيها الاسر والقبائل بين اكثر من دولة مثلما هو مع القبائل الحدودية في كل الحدود الليبية مع بقية الدول المجاورة, ومثل ما عليه كل الحدود في منطقتنا.

ان التوارق اشراف النسب للدوحة النبوية يعودون في اغلبهم للنسب الشريف حتى ادريس الاول الذي يعود للحسن ابن علي بن ابي طالب, وفيهم الانصار العظام, انصار رسول الله ( من الاوس والخزرج) الذين لهم الشرف الكبير في نصر الاسلام واعلاء رايته, وهم جميعا اهل علم ودين كبير واهل كفاح ضد المستعمر, و كان لهم دورا كبيرا في محاربة الاستعمارين الفرنسي والايطالي, وكان لهم دورا علميا كبيرا في ازدهار العلم والتجارة مع اخوتهم في عموما الصحراء الكبرى, في توات بالجزائر, وطبقة, وفي تامنراست, ولعل الدور الاكبر كان مع اخوتهم البرابيش,وبقية القبائل الحسانية في تمبكتو العظيمة الحاضرة الاسلامية الكبرى التي كانت مركزا علميا لا يضاهي في التاريخ, وهي تعد من اغنى المدن بهذا المخزون الكبير, وللتوارق علما ومشائخ لا يشق لهم غبار في هذا الجانب,حيث كانت تاتيها القوافل محملة بالبضائع وتخرج منها في حماية التوارق محملة بالكتب والمخطوطات في شتى العلوم الاسلامية من فقه ولغة ونحو وصرف وشريعة عبر طرق القوافل التي احداها تمتد نحو غدامس الحاضرة الكبيرة والمركز الديني والعلمي الكبير للاسلام ومخطوطات الفقه الاسلامي واللغة العربية والنحو والصرف, والموازين, والمواثيق القبلية بين قبائلنا في الصحراء الكبرى.

ان كل السوق شمال مدينة كيدال شمال جمهورية مالي بقرب الحدود الجزائرية, والتي يسمى الفرد منها السوقي,والتي اسسها جيش مغفر بن عقبة بن نافع, وفيها اقاموا حاضر كل السوق علما وادبا, هذه المدينة العظيمة التي طمسها الفرنسيين كانت اهم معلم ديني انشائه اهل كل السوق التوارق العظام ابناء واحفاد الفاتحين الاوائل ابناء ورفاق مغفر بن عقبة بن نافع, والتي الى يومنا هذا تملاء مخطوطاتها بيوت التوارق العظام الاشراف الكرام في انحاء الصحراء الكبرى, ويمكن للمتصفح على الانترنت ان يكتب كل السوق او يبحث عن تادمكت, وهي تعني شبيهة مكة, تكرما بها في العلم وعلوم الدين, وكتب ومخطوطات اللغة العربية, وبها اكبر مقبرة للمجاهدين الاولئل الذين حاربوا مع مغفر بن عقبة بن نافع, ولا زالت قبورهم الطاهرة شاهدا على عظمة الطوارق الاشراف.

ان للشيخ الطاهر اق انتالة سليل اسرة تارقية كبيرة في كيدال وزعيما تاريخيا لقبائل ايفوغاس الممتدة في اضاغ شمال مالي, والتي له اخوة مع قبيلة الزنتان ممتدة بالوثائق منذ ما يزيد عن 300 عام, ويوجد فروع منها في اوباري وغدامس, هذا الرجل العظيم الذي ينتسب الى ادريس الاول ابن الحسن بن علي بن ابي طالب, حيث قام الشيخ الطاهر, وابنائه الاشراف الشيخ محمد والشيخ العباس والشيخ الطيب, بهدم مبنى الكنيسة التي شرع الفرنسيين في بنائها بداية تسعينيات القرن الماضي في مدينة كيدال التي لا يوجد بها مسيحي واحد, وجمع الناس وحطموا الجدران واخذ كل تلك الحجارة ورماها بعيدا عن كيدال, وانشد قصيدته المشهور ( كيدالنا كيدالنا, لايعبد فيها الا الله).

ان تفرعات التوارق العظام الاشراف النبلاء القبلية, المنتسبة لأدريس الاول, والاخرى المنتسبة الى الانصار تتفرع الى عدة قبائل اخرى واسر, مثل ما هي عليه بقية القبائل, ( الانصار - الشرفاء - بن غساتن - تينالكم - ايفوغاس - ايدنان ....) فمنهم مثلا قبيلة بن غسانت الشريفة التي كان ابنائها تاريخيا يهتمون بالعلم والدين والمخطوطات,وهم اخوة واحلاف الزنتان تاريخيا, ومنها المقاتلين الاشداء الذين قاتلوا مع الزنتان في كل معارك بداية القرن الماضي, ومن اسرهم الشريفة, اسرة الكوني المعروفة تاريخيا, ومن ابنائها حاليا الدكتور الكاتب الكبير ابراهيم الكوني, والاستاذ موسى الكوني, وحسين الكوني, هذه الاسرة العريقة الكبيرة الدور دينيا وحربيا في مكافحة الاستعمار جنب الى جنب مع اخوتهم الزنتان في كل معارك الحمادة الحمراء والصحراء الكبرى ضد الطليان الفاشست, وبين القبيلتين اخوة دم واصل, وتحالف تاريخي لازال الجميع يفخر به في سبيل نصرة دين الله والوطن,  وايضا لا ننسى المجاهد الكبير صنبير, الذي كان فارسا كبيرا وعظيما ومقاتلا شرسا مع اخوته الزنتان في معارك اشكدة والقارة ومحروقة, ولا يزال اهل الزنتان يروون الكثير الكثير عن شهامته وبطولته واعتزازهم باخوته, ولا ننسى البطل بنونو, الفارس الكبير والمقاتل الكبير المتعبد الورع, الذي  امضى عمره مقاتلا في سبيل الوطن, متعبدا معتزا بانتسابه للدوحة الشرفة مفتخرا بها.

ان التوارق يحتفظون بالكثير من الوثائق الثمينة والمخطوطات, حتى ان بعض الاسر تحتفظ بشجرة النسب اسم بأسم حتى ادريس الاول ابن الحسن بن علي بن ابي طالب, ومنهم من يحتفظ بشجرة نسبه الى الانصار حتى الاوس والخزرج العضماء حاضنة الدين الكبيرة في المدينة المنورة.

ان الحديث عن قبائل التوارق حديث ذو شجون لما لهذه القبائل من دور تاريخي, ولما لها من موروث, وهم كباقي القبائل التي تعيش الصحراء بكل تجلياتها, وخاصة على المستوى الاجتماعي الذي طبع الحياة بالضرورة على التراتبية الاجتماعية, حيث صنفت فيها المهام في القبيلة او المجتمع بين حملة السيف, وحملة الكتاب, والصناع الذين كانوا غالبا من الارقاء او الاسر ضعيفة الحال, والمغنين, هذا التقسيم الذي كان قد فرضه عثمان بن عمر بن تاشفين عم يوسف بن تاشفين, بعد تمكنه من السيطرة على الساحل والجنوب الصحراوي في الصحراى الكبرى وتثبيت الدولة الاسلامية فيه أنذاك, ولذلك قصة طويلة يطول شرحها هنا, غير ان ذلك التقسيم طبع بعض الاسر وبعض القبائل ببعض الصفات, او جعلها تهتم بنوع من المهام في القبيلة, الا ان العصر اليوم كباقي المجتمع تطور ذلك ولم يصبح للتراتبية الاجتماعي معنى كبير مع التقدم في تطور المجتمعات الانسانية.

ان منطقتنا غنية بموروثها, والليبيين لهم باع طويل في التاريخ والاخوة مثل بقية اخوتهم في المنطقة, وخاصة في نشر الدين الاسلامي, ويفتخر الكثير من الليبيون بانتسابهم للدوحة الشريفة, ولا احد يستطيع ان ينافس قبائل التوارق في ذلك, حيث ابناء ادريس الاول اسم بأسم في وثائق لم يهملها التوارق يوما, وابناء الانصار الكرام, وهم من التواضع وحسن الخلق بان تركوا ذلك لله, وليس للمباهاة, وجعلوا منه غذا حياتهم في ما قام به اجدادهم من دور تاريخي في العلم والمخطوطات في علوم الفقه والمذاهب, واللغة العربية, وهم بلا شك اليوم, لا يزالون على عهد اجدادهم الاشراف في دورهم الديني الوطني اليوم.

( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين...) صدق الله العظيم

 

 

 

تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها ،ويحتفظ موقع "صحيفة الوطن الليبية" بحق حذف أي تعليق لأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الإسم
عنوان التعليق
نص التعليق