كتاب الوطن

فشل وزير الداخلية الليبي .. بقلم/ أ. فوزي الكيلاني

التاريخ : Jul 17, 2012


 
        عادةً ما يحدث في المجتمعات الديمقراطية المتقدمة عندما يخطئ أو يُقصر وزير ما في أداء مهمته الوزارية، فإن أول عمل يُبادر به هو تقديم استقالته، أما نحن فلا حرج علينا فديمقراطيتنا لا تزال حديثة العهد ولا يتوجب على الوزير في حال فشله تقديم استقالته لأنه يرى ممارسة الوزارة تجربة جديدة لا تحتاج إلى كل هذه التنازلات.  وتحت ظل عدم وعي المجتمع في تقييم أداء عمل الوزارات من خلال الضغط عليهم بتظاهرات للمطالبة بتقديم استقالتهم بسبب فشلهم، يزيد من ترسيخ مفهوم ( اعمل نيسه ) من جانب الوزراء، وعدم مبالاتهم بما يتوجب عليهم القيام به تجاه شعوبهم. وأقرب مثال على هذا هو وزير الداخلية الذي اثبت بما لا يدع مجالاً للشك بأنه فشل في إدارة وزارته بامتياز.
        إن ما حدث في الأردن من أعمال شغب أدت إلى حرق عنبر المبيت وتصريح أحد المتدربين بأن سبب إضرام النار هو استعمال زجاجات الخمور التي كانت تتوفر بكثرة - وفقاً لما ورد في لقاء أجرته وكالة أنباء التضامن - لأكبر دليل على أن التقصير والإهمال يتحمله كلا الطرفين أولهما وبالأخص وزير الداخلية الذي يبدو أنه للأسف قد اخفق في اختيار القيادات الأمنية التي هي بدورها قد فشلت فشلاً ذريعاً في اختيار العناصر الشابة الجيدة التي كان يُرجى لها أن تكون الواجهة الأمنية للبلاد في المستقبل لحماية الوطن والمواطن. وثانيهما مملكة الأردن المضيفة التي سمحت للمتدربين بإدخال الخمور وشربها في مبيت المتدربين مما يبدو أن التساهل مع المتدربين كان واضحاً.
        في الواقع لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها مثل هذا الشغب في الاردن فقد سبق هذه الأعمال مشاجرة بين بعض من أبناء مدينتي المرج وتم ترحيلهم إلى مدينتهم، وبين شباب مدينة مصراته ونحمد الله الذي لم يصل الأمر إلى اشتباكات أدت إلى التقاتل وإلا لأصبح بيننا وبين مصراته حرب لن تنتهي. فيا تُرى ما هي الأسباب التي أدت إلى هذا الفعل ؟
        في الحقيقة لا يمكن الشك أبداً أن الاختيارات لعناصر المتدربين من رجال الأمن لم تكن ترتقي إلى درجة الاختيارات الحرفية، فقد كان الباب مفتوحاً لكل من أراد الدخول إلى الأمن دون مروره بلجان لها خبرة في اختيار العناصر الأمنية، وذلك بحجة دمج الثوار في وزارة الداخلية مهما كانت ميولهم وسلوكياتهم، لقد رأيت بنفسي مجموعة من عناصر الأمن على الأقل في مدينتي لا يصلحوا أبداً أن يكونوا عناصر أمنية تُحافظ على أمن الوطن والمواطن، بل أن الكثير منهم كانت له سوابق إجرامية ومع هذا تم دمجهم باسم الثوار إلى وزارتي الداخلية والدفاع. اذكر في إحدى المرات دار حوار بيني وبين أحد المسؤولين عن الملف الأمني في مدينة ما عن سوء اختيار بعض العناصر الأمنية فقال لي (  بأن إحدى المتخصصات في علم النفس قد نصحتهم بدمج هؤلاء في الدولة بدلاً من أن يستمروا في إدمـان المخـدرات والشـرب )، ضحكت كثيراً على هذه المشورة الخارقة وقلت له (  كيف تريد من شخص غير ملتزماً ذاتياً وخُلقياً بترك المخدرات والخمر أن يحرص على منعها وحماية الوطن من هذه الظواهر الهدامة )، فأجابني بكل بساطة (  يا راجل مشي الأمور هي البلاد هكي ) فاذا كان هذا مستوى تفكير مسؤولي الأمن فماذا سيكون مستوى المتدربين!! لقد سألت أحد الشباب المنتسبين إلى الأمن ذات مرة (  لماذا لا تحترمون القيادات الأمنية في إدارتكم وتطيعون الأوامر الصادرة إليكم )، فأجابني بكـل بسـاطة (  مغير يبقى هو نفسه محترم وبعدين نحترموه ) قلت له لماذا قال لي (  هو بروحه يحشش ويسكر معانا ) وإن كنا لا نطلق صفة العموم على الكل إلا أن هذا ما يحدث بالفعل. فهل هذا هو الأمن الذي كنا ننتظره ونحلم به ؟
        لقد تبين لنا أن وزير الداخلية للأسف لا يزال يعمل بنفس عقلية النظام السابق في اختيار العناصر الأمنية، فقد تم فتح باب القبول للجميع المهم احتوائهم ولو على حساب أمن الوطن والمواطن وأغلب القيادات الأمنية يعرفون أن جُل من انتسب إلى الداخلية كان يسعى لأجل الحصول على مرتب فقط وليس إيماناً منهم بعقيدة أمن الوطن والمواطن.
        كل ما نكتبه الأن نعرف جيداً لا طائل من ورائه (  فلا يُصلح العطار ما افسده الدهر ) ونعرف أيضاً أن أيام هذا الوزير باتت معدودة في وزارته ولا يُرجَ منه إصلاح، وإنما نتمنى من المؤتمر الوطني القادم أن يعرف كيف ينتقي جيداً الشخص المناسب لهذه الوزارة ولا يقع في أخطاء المجلس الانتقالي، وعلى الوزير القادم أن يهتم بإعادة بناء واختيار رجال الأمن وفقاً للمعايير التالية:
أولاً : اختيار لجان مشكلة من متخصصين أكفاء من أطباء، وعلماء نفس، واجتماع، من أجل إجراء مقابلات مع العناصر المتقدمة لمعرفة من يصلح منهم جسدياً وعقلياً وأخلاقياً.
ثانياً : وضع   شروط   لاختيار   رجال الأمن والشرطة   ممن   تتوفر   فيهم   شروط   المواطنة   الصالحة كونهم   من   ذوي   السيرة   الحسنة   والسلوك   السوي، وليسوا   من   ذوى   السوابق   ناهيك عن   الشروط الأخرى   الصحية   والنفسية   والعلمية   والأمنية  .
ثالثاً : إجراء تدريبات محلية أولاً برعاية مدربين أكفاء وتحت مراقبة لجان مستقلة لتقديم تقارير عن العناصر التي تصلح أن تكون في وزارة الداخلية أو لا تصلح ومن ثم ترشح من يصلح منهم للتدريب بالخارج وفقاً للكفاءة وحُسن السلوك والخُلق؛ على أن يكون دور هذه اللجان القضاء على فساد المحسوبية والواسطة في الاختيار بحجة هذا قريب وهذا إبن صديق.
رابعاً : تكثيف الدورات التثقيفية والأخلاقية لرجال الأمن بهدف مسح الثقافة الأمنية السابقة التي كانت مبنية على القمع وعدم احترام حقوق الإنسان وطرح الأساليب الجديدة والحديثة التي يجب أن يتبعها رجال الأمن حتى يكونوا موضع احترام وتقدير لدى الشعب.
خامساً : ربط مزايا المرتب والعلاوات مع أداء عناصر الأمن أثناء تأدية أعمالهم، ومراقبة سلوكياتهم، وأخلاقهم، والتشديد على فصل كل من تصدر منه أعمال خارجة عن القانون حتى اذا ما فُصل من وظيفته يشعر بمدى خسارة المزايا التي كان يتمتع بها فترة عمله السابق ويكون بذلك عبرة لغيره في تحسين سلوكه.
سادساً : وضع   دراسات   حول   أساليب   وطرق   وضوابط   ومعايير الاختيار   للالتحاق   بالأمن   واعتماد   ميثاق   الشرف   المهني لرجال   الأمن والشرطة   والتأكيد   على الحرص   على   أن   تكون العلاقات   جيدة   مع   الجمهور   لتكوين   رأي   عام   مستنير   يدعم الجهود   الأمنية   ويؤزر   رجال   الأمن   أثناء   أدائهم   لواجباتهم.
سابعاً : الاستعانة بخبرة جامعة نايف للعلوم الأمنية في تقديم المشورة والمساعدة بما يسهم في تطوير أداء أجهزة الأمن الليبية، فحسب اعتقادي بأن ليبيا لها اشتراكات سنوية تُقدم لهذه الجامعة فلماذا لا نستعين بها في تدريب كوادر أمنية على أعلى مستوى من التدريب تعليمياً وثقافياً وعملياً.
 
 
 
              أ. فوزي الكيلاني
                المرج – ليبيا
              0925890164
 
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها ،ويحتفظ موقع "صحيفة الوطن الليبية" بحق حذف أي تعليق لأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الإسم
عنوان التعليق
نص التعليق